الحمد لله القائل: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ}[ آل عمران من الآية:110].
وصلى الله على نبيه القائل: «والذي نفسي بيده، لتأمُرُنَّ بالمعروف، ولتنهونَّ عن المنكر، أو ليوشكنَّ الله أن يبعث عليكم عقاباً منه، ثم تدعون فلا يُستجاب لكم» (رواه الترمذي، وحسَّنه.)

إنها شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: الجدران العالية.. والأسوار المُحصنة، للدين والمجتمع، فكم من صور للشركٍ بالله أزالت وأوقفت، وهتكٍ للأعراض منعت وحفظت، وتعدٍ على الأنفس والأموال صانت وأمَّنَت، فكانت بعد فضل الله وبالغ حكمته ورحمته بخلقه حاميةً لعقيدة الناس وأعراضهم وأموالهم، وعلاوةً على ذلك هي سبب خيريتهم وبقائهم وتمكينهم: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} [الحج:41].

وبهذا يُعلم وجه أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عقلاً، حتى قال الغزالي رحمه الله: "هو القطب الأعظم في الدين، وهو المهم الذي ابتعث الله له النبيين أجمعين، ولو طوي بساطه وأهمل علمه وعمله؛ لتعطلت النبوة، واضمحلت الديانة، وعمت الفترة، وفشت الضلالة، وشاعت الجهالة، واستشرى الفساد، واتسع الخرق، وخربت البلاد، وهلك العباد، ولم يشعروا بالهلاك إلا يوم التناد"، ومنّ الله على بلادنا المملكة العربية السعودية أن جعل من أهم سماتها وركائزها التي قامت عليها وستبقى بإذن الله تطبيق هذه الشعيرة في أوساط الناس.

والحديث عن فضل وأهمية هذه الشعيرة وتطبيقها يطول فهي سفينة المجتمع التي تحميه من الغرق، وتأخذ بيده إلى شاطئ النجاة، ولا صلاح ولا فلاح لمجتمعنا، إلا إذا تمسك بهذه الشعيرة العظيمة؛ يقول الله تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران من الآية:104]، وقال صلى الله عليه وسلم: «مثل القائم في حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة، فصار بعضهم أعلاها، وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء، مرُّوا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً، ولم نؤذِ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا، هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم، نجوا ونجوا جميعاً» (رواه البخاري).

وهذا تصوير وتقريب لما نعيشه نحن في حياتنا، على ظهر الأرض كركاب السفينة، فينا الطائع والعاصي، والبر والفاجر، فإن تُرِك أهل الشر والفساد يعيثُون في الأرض كيفما شاؤا، يسرحون ويمرحون، دون أن يُوجِّه لهم أهل الخير والصلاح النصحَ، أو يمنعوهم من اقتراف الموبقات، هلك الجميع ونزل عقاب الله، وإن منعوهم من الفساد والإفساد وأخذوا على أيديهم رست بهم السفينة على بر الأمان. والترتيب في الحديث جعل القائمين بأمر الله من الدعاة والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر هم (الأعلون)، والمتخبطين في الذنوب والمعاصي من أهل الشر والفساد هم (الأدنون)، و{قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ} [المائدة من الآية:100]. ولا خافض لما رفع الله، بل {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ} [الحج:38].

فكيف؟ دفاعه سبحانه عن المؤمنين الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، وهي صفة من أهم صفاتهم التي وصفهم الله بها: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [التوبة:71]، في مقابل ما وصف الله به المنافقين في سورتهم التي فضحتهم وهتكت أستارهم: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ} [التوبة:67]. وشرق المنافقون والمفسدون اليوم كما شرقوا بالأمس "بل هي شرقة واحدة استمرت معهم من ذلك اليوم إلى اليوم"، بما يرون ويسمعون من امتداد واستمرار هذه الشعيرة مع أهل الإيمان وقيامهم بها، فهي معهم تصحبهم وترافقهم حيثما حلوا أو نزلوا في كل مكان ومرفق ومؤسسة وفعالية ومناسبة عملاً بقوله صلى الله عليه وسلم: «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» (أخرجه مسلم).

وليس بمستغرب الهجوم الحاصل اليوم على طريقة {تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ} [البقرة من الآية:118] و{وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ} [محمد من الآية:30]، والتمالؤ والتماكر والتحريض والتأليب ضد جهاز من أجهزة الوطن، من صحف الوطن في يوم الوطن زعموا بدعوى (المشجب) قضية الشابين (القوس) رحمهم الله رحمة واسعة وجبر قلوب والديهم وذويهم والهجوم المركز و الموجه ليس المقصود به قضية الشابين ولكن يرونها فرصة سانحة ومناسبة لاجتثاث هذا الجهاز!! وأنى لهم!! فالجدران عالية.. والأسوار مُحصنة، فهم لم يعلموا أن الجهاز: يمثل في رئاسته وفروعه ومكاتبه وسياراته بنسبة 1% و99% منه في قلوب وأرواح وضمائر المؤمنين الحية الصادقة وهي كثيرة بحمد الله في هذه البلاد الطاهرة، وليهنأهم قوله صلى الله عليه وسلم: «إن من أمتي قوماً يعطون مثل أجور أولهم ينكرون المنكر» (رواه أحمد وهو صحيح)، ولا أجد لكُتَّاب هذه المقالات التي تعد بالمئات في هذه القضية وغيرها إلا قول الخبير العليم سبحانه: {قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [آل عمران من الآية:119]، وأقول لهم مُحباً ومُشفقاً وناصحاً: إن الإصرار على الخطأ محضُ نقصٍ وإزراءٍ بصاحبه، وقد سمى الله سورةً في كتابه بالتوبة، فهي فتح للباب على مصراعيه، فأدركوه قبل أن يُغلق.

اللهم تب علينا وأدخلنا في رحمتك أجمعين، وأصلح أحوالنا يا رب العالمين.

أحمد إبراهيم فقيرة