واللطيفة الثالثة: أوثان آخر الزمان!

ما زلنا مع لطائف التشديدة: يَهَدِّي (1)؛ وقد وجدناها تشير إلى كل أصنام العالم وأوثانه، من أول شريكٍ غلى أوثان دهر الناس هذا.

ولقد تبيَّن لنا مما سبق أن الله تعالى لم يذكر في تلك الآيات لفظ الأصنام ولا الأوثان بخصوصها، وإنما ذكر الشركاء، فقال: {قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ}[يونس:35]، ولم يقل هل من أصنامكم أو أوثانكم، أو أحجاركم أو أشجاركم! وإنما قال: {من شركائكم}، بينما ذكر المفسِّرون في تفسيرها: الأصنام والأوثان.

فهل نقول: إن الأمر لا يقتصر على عبادة الأصنام والأوثان الميتة الجامدة القديمة؟ أم أننا نقول: إن الأصنام والأوثان نفسها لا يقتصر أمرها على تلك الصور الجاهلية الأولى، كما قال إبراهيم عليه السلام: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ }[إبراهيم:35]؟

إن "عبادة الأصنام التي دعا إبراهيمُ عليه السلام ربَّه أن يجنبه هو وبنيه إياها، لا تتمثل فقط في تلك الصورة الساذجة التي كان يزاولها العرب في جاهليتهم، أو التي كانت تزاولها شتى الوثنيات في صور شتى، مجسمة في أحجار أو أشجار، أو حيوان أو طير، أو نجم أو نار، أو أرواح أو أشباح ...
إن هذه الصور الساذجة كلها لا تستغرق كل صور الشرك بالله، ولا تستغرق كل صور العبادة للأصنام من دون الله. والوقوف بمدلول الشرك عند هذه الصور الساذجة يمنعنا من رؤية صور الشرك الأخرى التي لا نهاية لها ويمنعنا من الرؤية الصحيحة لحقيقة ما يعتور البشرية من صور الشرك والجاهلية الجديدة!

ولا بد من التعمق في إدراك طبيعة الشرك وعلاقة الأصنام بها، كما أنه لا بد من التعمق في معنى الأصنام، وتَمَثُّل صورها المتجددة مع الجاهليات المستحدثة!

إن الشرك بالله- المخالف لشهادة أن لا إله إلا الله- يتمثل في كل وضع وفي كل حالة لا تكون فيها الدينونة في كل شأن من شؤون الحياة خالصة لله وحده. ويكفي أن يدين العبد لله في جوانب من حياته، بينما هو يدين في جوانب أخرى لغير الله، حتى تتحقق صورة الشرك وحقيقته.."( سيد قطب، في ظلال القرآن، 4/ 2114).

وبقدر أنواع الشرك يكون الشركاء؛ فهناك شرك الاعتقاد، ويدخل فيه كلُّ ما اعتُقِد فيه أن له شيئًا مما يختص بالله تعالى، في الفعل أو الخلق والتجبير، ومن ثم فالأقطاب والأغواث شركاء، أصنام وأوثان؛ يعتقد بعض الناس أنهم يُمسكون الكون أو بعضه.

وهناك شرك العبادة؛ ويدخل فيه كل عَمَل قُصِدَ به غيرُ الله، أو تُقُرِّب به إلى غير الله على وجه الخوف والتعظيم، مما لا ينبغي إلا لله، من ذبحٍ ونذرٍ وطمع.. المُتقَرَّب إليهم بهذا شركاء وأصنام وأوثان، ولو كانوا بشرًا، بل ولو كانوا صالحين، لكنهم برءاء مما أُشرك بهم وممن أشرك بهم، كما كان عيسى عليه السلام بريئًا من شرك النصارى اعتقادًا وعبادة، وكما نعتقد براء آل البيت، كعلي والحسين رضي الله عنهم، من شرك الروافض..

وهناك شرك الطاعة والاتباع، فمن أُطيع واتُّبِع في غير طاعة الله فيما أمر ونهى وشرَّع، فهو صنم طاعة ووثن اتِّباع، وبرئ من تبرَّأ، وأثم من رضيَ. وهذه الأخيرة لخطورتها، نفردها باللطيفة التالية من درر هذه الآية التي نحن في ظلالها.

وكل محبوب تجاوز الحد في محبته، والتعلق به، فقد صار ندَّا لله تعالى محبة أو اتباعًا، وقد تصل إلى الشرك الأكبر، وإن كان أصلها جائزًا أو مطلوبًا شرعًا، فليس من الشرك ولا من التعلق المذموم حب الوطن والمسكن والمال والمركب وكل حلال من المكاسِب، إذْ لا يمكن تجريدُ الإنسان من بشريته، لأن ذلك أصل مركوز في فطرته كما قال تعالى:{يِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ}[آل عمران: 14]، إذا كان حبه إياها لا يصرفه عن طاعة الله تعالى ولا أن يتعبدها هي ذاتها فيصير عبداً للدينار والقطيفة والزوجة؛ فيفسق ويتعس كما قال تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ}[التوبة:23]، وكما قال النبي-صلى الله عليه وسلم-: «تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة؛ إن أعطي رضي، وإن لم يُعط لم يرض»(البخاري في صحيحه، رقم:[6335]، ) وفي رواية: «وعبد الزوجة»([1]).