الإجماع

إتِّباعُ الإجماع فرض لقوله عز وجل { وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً [النساء 115]} فمن خالفه بعد علمه به أو قيام الحُجّة عليه بذلك فقد استحق الوعيد المذكور في الآية.

الإجماع المفترض علينا اتباعه لا يخلو من أحد وجهين :
إما أن يكون إجماع كل العصور (أى جميع المسلمين من أول الاسلام إلى انقضاء العالم) و هذا لا يجوز لأنه لو افترضنا ذلك فلن يتبعَ أحدٌ الإجماع لأنه ستأتي عصور بعده فالإجماع إذن لم يتم.
وإما أن يكون إجماع عصر معين دون سائر العصور فلا يخلو من أحد ثلاثة أوجه :

(1) وإما أن يكون عصر الصحابة فقطو هذا لا خلاف فيه من أحد فالصحابة رضى الله عنهم هم الذين شاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمعوه فإجماعهم هو الإجماع المفترض علينا اتباعه؛ وأيضاً فعدد الصحابة رضى الله عنهم معروف وأقوالهم فى المسائل محفوظة .

(2) أماأن يكون ذلك العصر أىّ عصر بعد عصر الصحابة رضي الله عنهم وهذا لم يقل به أحد قط

(3) وإما أن يكون إجماع الصحابة إجماع صحيح وأن إجماع أهل عصر ما ممن بعدهم إجماع أيضاً وإن لم يصح في ذلك عن الصحابة رضى الله عنهم إجماع و هذا باطل لأنه:

* أما أن يجمع أهل ذلك العصر على ما أجمع عليه الصحابة رضى الله عنهم فقد غنينا بإجماع الصحابة رضى الله عنهم .

* وإما أن يُجمعوا على ما صح فيه اختلاف بين الصحابة رضى الله عنهم وهذا باطل فلا يجوز أن يجتمع إجماع واختلاف في مسألة واحدة. وبرهان آخر وهو أن هؤلاء أهل هذا العصر المتأخرين ومن وافقوه من الصحابة إنما هم بعض المؤمنين فبطل أن يكون إجماع وإذا اجمع بعض دون بعض فهي حال تنازع وليست إجماع.

* وإما أن يجمعوا على ما لم يحفظ فيه إجماع ولا اختلاف بين الصحابة رضى الله عنهم؛ وهذا لا يصح أيضاً لأنهم بعضالمؤمنين لا كلهم ولم يقع قط على أهل عصر بعد الصحابة رضى الله عنهم اسم جميع المؤمنين ولم يوجب الله سبحانه وتعالى علينا قط اتباع سبيل بعض المؤمنين،وأيضا فإن العصور بعد الصحابة رضى الله عنهم لا يمكن حصر أقوالهم جميعاً لأنهم ملأوا الدنيا ولله الحمد وإنما صح القطع على إجماع الصحابة رضى الله عنهم لأنهم كانوا عددا محصوراً .
فصح بيقين لا مرية فيه أن الإجماع المفترض علينا اتباعه إنما هو إجماع الصحابة رضى الله عنهم فقط.

إذا لم يصح إجماع فقد وجب وقوع الإختلاف وإذا كان كذلك فلا يحل التحاكم عند الإختلاف إلا إلى القرآن والسنة .