الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، أما بعد:

فإن سورة الملك، من السور التي نزلت بمكة, ومن المعلوم أن القرآن المكي، لم يكن مشتملا على الأحكام الفقهية, بل كان يدور حول ما يتعلق بتوحيد الله تعالى, وإثبات ذلك بالأدلة القاطعة المحسوسة، إضافة إلى خطاب المشركين, وتنبيههم على خطورة الشرك بالله تعالى, وتهديدهم بالعذاب والنكال في الدنيا والآخرة إذا هم استمروا في غَيِّهم, وإعراضهم عن توحيد الله تعالى, والتكذيب برسالة الإسلام.

وللوقوف على مضامين هذه السورة باختصار، يحسن أن نأتي هنا بما ذكره ابن عاشور في كتابه: التحرير والتنوير؛ لما فيه الوضوح, والفائدة, والاختصار.

حيث يقول عن سورة الملك: وهي مكية، قال ابن عطية، والقرطبي: باتفاق الجميع.

والأغراض التي في هذه السورة، جارية على سنن الأغراض في السور المكية.

ابتدئت بتعريف المؤمنين معاني من العلم بعظمة الله تعالى، وتفرده بالملك الحق، والنظر في إتقان صنعه، الدال على تفرده بالإلهية، فبذلك يكون في تلك الآيات حظ لعظة المشركين.

ومن ذلك: التذكير بأنه أقام نظام الموت والحياة؛ لتظهر في الحالين مجاري أعمال العباد، في ميادين السبق إلى أحسن الأعمال، ونتائج مجاريها، وأنه الذي يجازي عليها.

وانفراده بخلق العوالم العليا، خلقا بالغا غاية الإتقان، فيما تراد له. وأتبعه بالأمر بالنظر في ذلك، وبالإرشاد إلى دلائله الإجمالية، وتلك دلائل على انفراده بالإلهية. متخلصا من ذلك إلى تحذير الناس من كيد الشياطين، والارتباق معهم في ربقة عذاب جهنم، وأن في اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم نجاة من ذلك، وفي تكذيبه الخسران، وتنبيه المعاندين للرسول صلى الله عليه وسلم إلى علم الله بما يحركونه للرسول ظاهرا وخفية، بأن علم الله محيط بمخلوقاته.

والتذكير بمنة خلق العالم الأرضي، ودقة نظامه، وملاءمته لحياة الناس، وفيها سعيهم، ومنها رزقهم.

والموعظة بأن الله قادر على إفساد ذلك النظام، فيصبح الناس في كرب وعناء؛ ليتذكروا قيمة النعم، بتصور زوالها.

وضرب لهم مثلا في لطفه تعالى بهم، بلطفه بالطير في طيرانها. وآيسهم من التوكل على نصرة الأصنام، أو على أن ترزقهم رزقا. وفظع لهم حالة الضلال التي ورطوا أنفسهم فيها. ثم وبخ المشركين على كفرهم نعمة الله تعالى، وعلى وقاحتهم في الاستخفاف بوعيده، وأنه وشيك الوقوع بهم. ووبخهم على استعجالهم موت النبي صلى الله عليه وسلم، ليستريحوا من دعوته. وأوعدهم بأنهم سيعلمون ضلالهم حين لا ينفعهم العلم، وأنذرهم بما قد يحل بهم من قحط وغيره. انتهى.

والله أعلم.