لا مناص للمتأمل في كيفية تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع مشكلة البطالة من أن يلحظ عنايته الخاصة بتصحيح الاعتقاد؛ تمهيدًا لتصحيح السلوك. فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يقدم فقط حلولاً عملية تمكِّن العاطلين من إيجاد عمل على الفور، ولكنه قبل ذلك ومعه قدَّم علاجًا تصوريًّا؛ تنبيهًا منه إلى أن تغيير الاعتقاد مدخل أساسي إلى تغيير السلوك، وإلى ضمان استمرار ذلك التغيير. وتزداد أولوية العلاج التصوري تأكيدًا بالنظر إلى أن السبب في بطالة العديد من العاطلين هو سبب اعتقادي وتصوري، نابع من عدم تحمسهم للعمل أو من عدم رغبتهم فيه.

إن الانتقال من البطالة إلى العمل هو انتقال من الراحة إلى التعب، ولما كان الإنسان ميالاً بطبعه إلى كل ما فيه راحة له، اقتضى "نقله" من كُرْه العمل إلى محبته ومن محبة البطالة إلى كرهها - غرس مجموعة من القيم التي من شأنها إن حكمت حركات الإنسان والسكنات أن تنقله من ضنك العيش إلى رغد الحياة. ومن هذه القيم قيمة العمل التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يروم تربية المسلمين على احترامها وإعطائها حظًّا وافرًا من التقييم.

ويكشف لنا تأمل مجموعة من النصوص عن كيفية ترسيخ النبي صلى الله عليه وسلم لقيمة العمل في وعي الإنسان المسلم:

1- يقول الله تعالى مخاطبًا النبي صلى الله عليه وسلم: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ} [الشرح: 7]. فهذه آية من القرآن، وهي خطاب مباشر للنبي صلى الله عليه وسلم الذي كان خُلقه القرآن. ويعني تخلق النبي صلى الله عليه وسلم بها، أنّه كان يمتثل للأمر الرباني الذي تحمله، فيحوِّله إلى شعار يرفعه وسلوك يمارسه.

وهذه الآية وإن كانت خطابًا موجهًا للنبي صلى الله عليه وسلم ابتداء، فإنها خطاب لنا أيضًا انتهاء، وذلك من جهة أن النبي صلى الله عليه وسلم قدوة للمسلمين، ومن جهة أن ما كان خطابًا له -مما لم يكن مختصًّا به- فهو خطاب لعموم المسلمين.

بالتأمل في هذه الآية يتبين أن الله تعالى يطالب النبي صلى الله عليه وسلم ويطالبنا من خلاله بالحراك المتواصل. ومعنى ذلك أن المؤمن ينبغي أن يكون في حركة دءوب تصاحبه في كل آونة وحين، أي في حال انشغاله بالعمل وفي حال فراغه منه. ولا يصطدم ذلك مع إقرار الإسلام بالحاجة الفطرية لدى الإنسان إلى الراحة من تعب العمل؛ فالإسلام يقر بمبدأ الراحة وبحاجة الإنسان الفطرية إليها حين يجعل لأبداننا علينا حقًّا..

ولكنه في نفس الوقت لا يريدها راحة خاملة سلبية، وإنما يريدها راحة يتحول فيها وقت الفراغ من نعمة مغبونة إلى نعمة مضمونة، بحيث يستفيد منها صاحبها متعة بالراحة وأجرًا أخرويًّا على تلك الراحة. فيكون له بدل الأجر أجران؛ أجر على الراحة بالعمل مع أجره على العمل. وهذه مرتبة أعلى من مرتبة من يطلب الراحة من العمل لتكون عونًا له على العمل.. إنها مرتبة من يجد راحته فيما يطلب غيره الراحة منه. ومن هنا يمكن القول: إن الله سبحانه وتعالى قد أراد من النبي صلى الله عليه وسلم وأراد منا جميعًا، أن نكون في نشاط وعمل طيلة الحياة، فلا فجوة بين عمل وعمل إلا ويملؤها عمل.

2- عن المقدام -رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده» (رواه البخاري).

بالتأمل في هذا الحديث النبوي يمكن ملاحظة أمرين؛ أحدهما: هو التركيز على كون العمل عبادة مطلوبة من الجميع بما في ذلك الأنبياء أنفسهم. فإذا جاز في حق أحد من الخلق ألاّ يتعبد بعبادة العمل ويكتفي بعمل العبادة فهم الأنبياء، وعلى الرغم من ذلك فإنهم لم يستثنوا من هذا النوع من العبادة، بل كانوا نموذجًا رياديًّا يزاول العمل ويرفع من قيمته. ويظهر ذلك من خلال تتبع سيَرِهم التي يتبين من خلالها أن مزاولة العمل كان من هدي الأنبياء والرسل جميعًا..

فعلى الرغم مما يشغلهم من أمر الرسالة والدعوة إلى الله، وعلى الرغم من أنهم خير البشر -وهما سببان كافيان لإعفائهم من العمل وجعلهم مخدومين طوال حياتهم- فإنهم كانوا أصحاب مهن. فقد احترف آدم عليه السلام الزراعة، واحترف نوح عليه السلام النجارة، واحترف داود عليه السلام الحدادة، واحترف محمد صلى الله عليه وسلم التجارة، وبالإضافة إلى ذلك فقد كانوا جميعًا رعاة غنم.

إذن فلا الانشغال بأعظم مهمة على وجه الأرض، ولا الخيرية على جميع من في الأرض كافيان لتبرير البطالة.

الأمر الثاني: هو تصحيح المنظار الذي ننظر به والمعيار الذي نُقَيم من خلاله ما نستهلكه. فخيرية المواد الاستهلاكية على وجه العموم تابعة في العادة لمؤشر الجودة أو النفعية أو الموضة أو غيرها من المؤشرات التي يتعارف عليها الناس في حياتهم، ويصنفون بحسبها سلم أولوياتهم الاستهلاكية. لكن النبي صلى الله عليه وسلم يقلب هذه المعايير جميعًا، ويقدِّم بدلها الميزان الحقيقي الذي ينبغي أن يكون وحده في مقدمة معايير الخيرية، بل لعله ينبغي أن يكون هو وحده معيار تلك الخيرية..

إنه معيار السعي والكسب بعمل اليد، فالمادة الاستهلاكية الأحسن على وجه الإطلاق هي تلك التي نحصل عليها نتيجة كدّ وكسب وعمل نعتمد فيه على أنفسنا، وليست هي تلك التي تكون نتيجة كدّ وكسب وعمل الآخرين، فالعاطل وإن كان محيطه يوفر له أحيانًا أجود الطعام وأحدث اللباس، فإنه يكون كمن يأكل طعامًا رديئًا ويلبس ثيابًا رثة.

إذن فما نستهلكه لا يكتسب قيمته من ذاته أو مما تضفيه عليه نظرة المجتمع من قيمة، ولكن كيفية حصول المستهلِك عليه هي التي تكسبه ما يستحق من قيمة.

3- حدثنا هشام بن زيد قال: سمعت أنس بن مالك -رضي الله عنه- يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة، فإن استطاع ألا يقوم حتى يغرسها، فليفعل» (رواه أحمد).

بالتأمل في هذا الحديث النبوي يمكن ملاحظة أمرين؛ أحدهما مرتبط بحال العمل، والثاني بحال العامل. أما الأمر الأول فمفاده أننا مطالبون بالقيام بالعمل لذاته، وبصرف النظر عن ثمرته. فالإنسان ينبغي أن يعمل؛ لأنّ العمل مقدس ولأن العمل عبادة، حتى ولو كان متيقنًا بأنه لن يتمتع برؤية نتيجة ذلك العمل الذي يقوم به، بل حتى ولو لم تكن لذلك العمل نتيجة مرجوة أصلاً، كما هو الحال في غرس الفسيلة التي لن تصير نخلة؛ لأنها غُرست قُبيل قيام الساعة.

إن الصورة التي يضعها الحديث بين أيدينا هي أقصى صور عدم نفعية العمل وعدم جدواه. فإذا كان الإنسان مُطالبًا في هذه الصورة بالانخراط في عمل منتج، فهو مطالب بذلك فيما دونها من الصور من باب أولى. ويعني هذا أن الإنسان مُطالب بالعمل طالما كان ذلك العمل منتجًا وإيجابيًّا، وأنه لا ينبغي له تفضيل حياة البطالة بناءً على توهُّم كون عمله غير مرجو النفع له أو غير مرجو النفع على الإطلاق. وإذا لم يكن تَيَقُّنُ عدم النفع سببًا كافيًا للتوقف عن العمل، فكيف يكون تَوَهُّم عدم النفع مبررًا كافيًا للعزوف عن العمل؟

الأمر الثاني: مفاده أن الإنسان مُطالب بالعمل في جميع أحواله هو، بما في ذلك تلك الدقائق الأخيرة التي يوقن فيها بانتهاء حياته، بل وبانتهاء الحياة على وجه الأرض. فإذا كان الإنسان مُطالبًا بالعمل في أكثر اللحظات حسمًا في تاريخه وفي تاريخ البشرية جمعاء، فهو مطالب بالعمل في أقل تلك اللحظات حسمًا من باب أولى. واليومُ الذي تقوم فيه الساعة ليس هو اليوم الأخير في حياة الناس الدنيا فحسب، ولكنه أكثر الأيام خطورة في حياتهم أيضًا، وذلك بالنظر إلى ما يصحبه من تغيرات طبيعية وكونية مما هو مذكور في علامات الساعة الكبرى. وموقف كهذا يفترض أن يذهل فيه الناس عن أنفسهم، وأن تعمهم الفوضى، وتغمرهم أحاسيس الرهبة والذعر.

ومع ذلك، وفي عزّ اليوم الذي يؤرخ لنهاية العالم، يُطالب الإنسان بالعمل وإعمار الأرض. فمهما قاس الإنسان خطورة أيام حياته مجتمعة إلى خطورة ذلك اليوم الذي طولب فيه بالعمل، فإنّه لن يجد فيها من الخطورة ما يكفي لإعفائه من العمل.

خاتمة: تشترك النصوص السابقة في ترسيخ قيمة العمل من خلال اعتباره عبادة. وفي ذلك استثمارٌ لأكبر مهمة خلق الله لأجلها الإنسان على وجه الأرض، أي مهمة العبادة، وتحديدٌ لموقع العمل منها حتى يعي المسلم العاطل موقعه بالنسبة إلى المسلم العامل، ويعي موقعه داخل خريطة المجتمع، بل وداخل خريطة الوجود كله. ووضع مشكلة البطالة في هذا المقام من الخطورة ينبه المسلم العاطل على خطورة مقامه، ويغيِّر نظرته إلى طريقته في الحياة، ويغيِّر معها حكمه على تلك الحياة. وتغيير التصور مشفوعًا بتغيير الحكم هما المدخل المناسب لتغيير السلوك.

بقلم: سعاد كوريم(1)

المصدر: مجلة الوعي الإسلامي.

(1) باحثة في الدراسات القرآنية، جامعة مولاي إسماعيل - مكناس، المغرب.